أحمد بن محمد المقري التلمساني

125

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وقلبك من النّصب « 1 » ، ويحقر الدنيا وأهلها في عينك إذا اغتبرت ، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت . كلّ من تقع عينك عليه فهو حقير قليل ، وفقير ذليل ، لا يفضلك بشيء إلّا باقتفاء رشد أو ترك غي ، أثوابه النبيهة يجرّدها الغاسل ، وعروة عزّه يقصلها القاصل « 2 » ، وماله الحاضر الحاصل ، يعبث فيه الحسام الفاصل « 3 » ، واللّه ما تعين للخلف إلّا ما تعين للسلف ، ولا مصير المجموع إلّا إلى التلف ، ولا صحّ من الهياط والمياط ، والصياح والعياط ، وجمع القيراط إلى القيراط ، والاستظهار بالوزعة والأشراط ، والخبط والخباط ، والاستكثار والاغتباط ، والغلو والإشطاط « 4 » ، وبناء الصّرح وعمل السّاباط ، ورفع العمد وإدارة الفسطاط ، إلّا أمل يذهب القوّة ، وينسي الآمال المرجوّة ، ثم نفس يصعد ، وسكرات تتردّد ، وحسرات لفراق الدنيا تتجدّد ، ولسان يثقل ، وعين تبصر الفراق وتمقل قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ ص : 67 ، 68 ] ثم القبر وما بعده ، واللّه منجز وعيده ووعده ، فالإضراب الإضراب ، والتراب التراب . وإن اعتذر سيدي بقلّة الجلد ، لكثرة الولد ، فهو ابن مرزوق لا ابن رزاق ، وبيده من التسبّب ما يتكفّل بإمساك الأرماق ، أين النّسخ الذي يتبلغ « 5 » الإنسان بأجرته ، في كن حجرته ؟ لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرته . السؤال واللّه أقوم طريقا ، وأكرم رفيقا ، من يد تمتدّ إلى حرام ، لا يقوم بمرام ، ولا يؤمن من ضرام ، أحرقت فيه الحلل ، وقلبت الأديان والملل ، وضربت الأبشار ، ونحرت العشار ، ولم يصل منه على يدي واسطة السوء المعشار ، ثم طلب عند الشدّة ففضح ، وبان شؤمه ووضح ، اللهمّ طهّر منها أيدينا وقلوبنا ، وبلّغنا من الانصراف إليك مطلوبنا وعرّفنا بمن لا يعرف غيرك ، ولا يسترفد إلّا خيرك ، يا اللّه . « وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة ، أو أعمل في اجتلابها إضبارة « 6 » ، أو لبس منها شارة ، أو تشوّف لخدمة إمارة ، أن لا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس ، ولا يغتروا بسمة ولا خلق ولا لباس ، فما عدا عمّا بدا ؟ تقضّى العمر في سجن وقيد ، وعمرو وزيد ، وضرّ وكيد ، وطراد صيد ، وسعد وسعيد ، وعبد وعبيد ، فمتى تظهر الأفكار ، ويقرّ القرار ، وتلازم الأذكار ، وتشام الأنوار ، وتستجلى الأسرار ؟ ثم يقع الشهود الذي يذهب معه الإخبار ، ثم يحقّ

--> ( 1 ) الوصب : المرض ، والنصب : التعب . ( 2 ) في ب « يفصلها الفاصل » . ( 3 ) في ب « الحسام القاصل » . ( 4 ) في ب « والاشتطاط » . ( 5 ) أراد به نسخ الكتب وكتابتها . ( 6 ) الإضبارة - بكسر الهمزة - الحزمة من الصحف أو من السهام .